التجاوز إلى المحتوى
منصة عربية متخصصة في الصياغة القانونية
الصياغة القانونية التعاميم والقرارات القضائية المذكرات العملية
التعاميم والقرارات القضائية

القتل غيلة وحدود اعتباره من جرائم الحد

نوفمبر 3, 2026 4 دقائق قراءة

القتل غيلة وحدود اعتباره من جرائم الحد

قراءة في قرار المحكمة العليا رقم (8/م) وتاريخ 25/3/1435هـ

تمهيد:
تعد جريمة القتل من أخطر الجرائم التي تمس النفس البشرية، وقد فرّق الفقه الإسلامي بين صورها بحسب طبيعة الفعل والوسيلة والقصد، لما يترتب على ذلك من اختلاف في الأحكام والعقوبات. ومن أبرز هذه الصور القتل غيلة، الذي يتميز بكونه يقع على وجه الحيلة والخداع دون تمكين المجني عليه من الدفاع عن نفسه، مما يضفي عليه خطورة خاصة تستوجب معالجة قضائية مغايرة لما هو مقرر في القتل العمد.

مضمون القرار:
قررّت الهيئة العامة للمحكمة العليا أن القتل غيلة هو ما كان عمدًا عدوانًا على وجه الحيلة والخداع، سواء كان القصد منه الاستيلاء على مال أو الاعتداء على عرض أو غير ذلك من المقاصد. وبيّنت أن هذه الجريمة تعد من أعظم صور القتل، ويترتب عليها قتل الجاني حدًا لا قصاصًا، ولا يقبل فيها العفو من أولياء الدم، لكونها مقدمة على الحق العام لما تنطوي عليه من خطورة بالغة على المجتمع.

الإشكال:
يظهر الإشكال في التمييز بين القتل العمد الذي يثبت فيه حق أولياء الدم في القصاص أو العفو، وبين القتل غيلة الذي يخرج عن هذا الإطار ويأخذ وصفًا مختلفًا من حيث التكييف والعقوبة. كما يثور التساؤل حول مدى اعتبار الحيلة والخداع عنصرًا كافيًا لنقل الجريمة من نطاق القصاص إلى نطاق الحد.

القاعدة:
الأصل أن القتل غيلة، متى ثبت وقوعه على وجه الحيلة والخداع، يعد من جرائم الحد التي يقتل فيها الجاني حدًا لا قصاصًا، ولا يقبل فيها العفو لكونها مقدمة على الحق الخاص.

الأثر:
يترتب على هذا القرار توحيد التكييف القضائي لجريمة القتل غيلة، وإخراجها من نطاق القصاص إلى نطاق الحدود، بما يترتب عليه عدم اعتبار العفو من أولياء الدم سببًا لإسقاط العقوبة. كما يعزز ذلك حماية المجتمع من الجرائم التي تقوم على الغدر والخداع لما تمثله من خطورة مضاعفة.

الدفوع:

أولًا: الدفع بانتفاء وصف الغيلة لعدم تحقق الحيلة والخداع
إن وصف القتل غيلة لا يثبت بمجرد وقوع القتل عمدًا، بل لا بد أن يقترن ذلك بقيام الحيلة والخداع على نحو يفقد المجني عليه القدرة على الاحتراز أو الدفاع عن نفسه. فإذا خلا الفعل من هذا العنصر أو كان المواجهة فيه ظاهرة غير قائمة على الغدر، فإن تكييف الواقعة بوصفها قتلًا غيلة يكون مجانبًا للصواب، ويتعين ردها إلى وصف القتل العمد الذي تجري عليه أحكام القصاص.

ثانيًا: الدفع بوجوب تفسير الوقائع تفسيرًا دقيقًا قبل إضفاء وصف الغيلة
إن إطلاق وصف الغيلة يترتب عليه آثار جسيمة تتعلق بنوع العقوبة وإسقاط حق العفو، ومن ثم فإن التوسع في هذا الوصف دون تحقق دقيق من عناصره يعد مجازفة قضائية لا تتفق مع أصول العدالة، وعليه فإن الوقائع يجب أن تفسر تفسيرًا منضبطًا يميز بين الغدر المقصود والحالات التي لا ترقى إلى هذا الوصف.

ثالثًا: الدفع بأن الأصل بقاء الجريمة في نطاق القصاص ما لم يثبت وصف الغيلة يقينًا
الأصل في جرائم القتل العمد أنها من جرائم القصاص التي يثبت فيها حق أولياء الدم، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل واضح يثبت تحقق وصف الغيلة، فإذا تطرق الشك إلى قيام هذا الوصف أو لم يثبت على نحو قاطع، فإن الأصل يقتضي إبقاء التكييف ضمن نطاق القصاص دون التوسع في إدخاله ضمن جرائم الحد.

رابعًا: الدفع بضرورة التثبت من قصد الجاني وظروف الواقعة
إن توصيف الجريمة بأنها قتل غيلة يقتضي النظر في نية الجاني وظروف ارتكاب الفعل، وما إذا كان قد تعمد استدراج المجني عليه أو مباغتته على نحو ينطوي على خداع وغدر، فإذا لم يثبت ذلك أو كانت الواقعة وليدة مواجهة مباشرة أو نزاع ظاهر، فإن وصف الغيلة ينتفي ولا يصح إعمال أحكامه.

الخاتمة:
يؤكد هذا القرار على خطورة جريمة القتل غيلة وخصوصيتها في الفقه القضائي، ويبين أنها تخرج عن نطاق القصاص إلى نطاق الحد لما تنطوي عليه من غدر وخداع، وهو ما يستوجب التثبت الدقيق من عناصرها قبل إضفاء هذا الوصف عليها.

الكلمات المفتاحية:
القتل غيلة
القتل العمد
القصاص
الحد
الجرائم الجزائية
المحكمة العليا
القضاء السعودي