قراءة في تعميم رقم (13/ت/8748) وتاريخ 27/6/1443ه
تمهيد:
تتميز الشركات كشخصيات اعتبارية باستقلال ذمتها المالية عن الشركاء والقائمين عليها، مما يفرض معاملة مختلفة عند مباشرة إجراءات التنفيذ ضدها مقارنة بالأفراد. وقد كشفت الممارسة العملية عن توسع في تطبيق وسائل الضغط التنفيذي كمنع السفر وإيقاف الخدمات دون تحقق كافٍ من الوضع المالي للشركة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعطيل نشاطها والإضرار بمصالح غير المرتبطة بها. ومن هنا جاء التعميم محل البحث لضبط هذه الإجراءات وربطها بحالة التعثر الفعلي المثبت بمستندات مالية معتمدة.
مضمون التعميم:
قرر التعميم قيدًا جوهريًا على تطبيق وسائل الضغط التنفيذي على الشركات، يتمثل في عدم اللجوء إلى منع السفر أو إيقاف الخدمات إلا بعد التحقق من تعثر الشركة وعدم وجود أصول كافية للوفاء بالدين. واشترط لذلك تقديم مستندات مالية معتمدة تُظهر المركز المالي للشركة، مثل القوائم المالية والتقارير الصادرة من الجهات المختصة، بما يثبت عجزها عن السداد. ويهدف هذا التنظيم إلى منع التعسف في استخدام هذه الوسائل وضمان توجيهها فقط في الحالات التي تستدعيها فعليًا.
الإشكال:
يثور الإشكال حول مدى جواز تطبيق وسائل الضغط التنفيذي على الشركات دون تحقق مسبق من حالتها المالية، وهل يجوز افتراض التعثر لمجرد عدم السداد، أم أن ذلك يتطلب إثباتًا ماليًا دقيقًا، كما يثور التساؤل حول حدود التوازن بين حق الدائن في التنفيذ وحق الشركة في استمرار نشاطها دون تعطيل غير مبرر.
القاعدة:
لا تُطبق إجراءات التنفيذ المقيدة على الشركات إلا بعد التحقق من تعثرها وثبوت عدم كفاية أصولها للوفاء بالدين بمستندات مالية معتمدة.
الأثر:
يترتب على هذه القاعدة تقييد سلطة التنفيذ بعدم التوسع في استخدام وسائل الضغط التنفيذي على الشركات، ووجوب التحقق من حالتها المالية قبل اتخاذ أي إجراء، مما يحمي الشركات من التعسف ويضمن استمرار نشاطها الاقتصادي. كما يرسخ مبدأ التناسب في التنفيذ، بحيث لا تُستخدم هذه الوسائل إلا عند تحقق التعثر الفعلي، ويمنع اتخاذها كوسيلة ضغط أولية دون أساس مالي ثابت، ويؤدي ذلك إلى تحقيق توازن بين حقوق الدائنين وحماية الكيانات الاقتصادية.
الدفوع:
أولًا: الدفع بانعدام مشروعية الإجراء لغياب الدليل المالي على التعثر
لما كان التعميم قد علّق مشروعية اتخاذ وسائل الضغط التنفيذي على ثبوت تعثر الشركة بمستندات مالية معتمدة، فإن مباشرة الإجراء
دون هذا الإثبات لا يُعد مجرد قصور شكلي، بل يُمثل قفزًا على شرط جوهري يمس أصل المشروعية، إذ لا يكفي ادعاء العجز ولا يُغني التأخر في السداد عن قيام دليل مالي محقق، مما يجعل الإجراء قائمًا على فراغ إثباتي يبطله من أساسه ويستوجب رفعه فورًا.
ثانيًا: الدفع بانحراف الجهة المنفذة لاستباقها وسائل الضغط قبل استنفاد التنفيذ على الأصول
الثابت أن الأصل في التنفيذ أن يُباشر على أموال المدين القابلة للحجز، لا أن يُستعاض عن ذلك بإجراءات ضغط تمس الكيان ذاته ومتى تم تجاوز هذا الترتيب ولُجئ مباشرة إلى إيقاف الخدمات أو ما في حكمه دون التحقق من الأصول، فإن ذلك يُعد انحرافًا في استعمال السلطة التنفيذية، إذ جُعل الاستثناء أصلًا، مما يوجب إبطال الإجراء لمخالفته منطق التنفيذ قبل نصه.
ثالثًا: الدفع ببطلان الإجراء لتحويل وسيلة الضغط من استثناء إلى أداة ابتدائية للتنفيذ
وسائل الضغط التنفيذي بطبيعتها استثنائية، تُستخدم عند انسداد طرق التنفيذ العادية لا كبديل عنها ولا كطريق مختصر إليها، فإذا استُخدمت ابتداءً دون تحقق التعثر وثبوت عجز الأصول، فإنها تفقد مشروعيتها وتتحول إلى وسيلة تعسف، إذ لا يجوز أن يُؤسس الإجراء على مجرد الرغبة في التسريع على حساب الضوابط، مما يوجب قصرها على حالاتها المحددة نظامًا.
رابعًا: الدفع بمخالفة الإجراء لمبدأ استقلال الذمة المالية للشركة
الشركة كيان مستقل بذمته المالية ولا يُتصور نظامًا أن تُستهدف بإجراءات تمس غير أموالها قبل التحقق من كفاية تلك الأموال، ومتى جرى تجاوز هذا الاستقلال واللجوء إلى وسائل تضييق دون فحص الذمة المالية ذاتها، فإن ذلك يُعد مساسًا مباشرًا ببنية الكيان النظامية، وإهدارًا لمبدأ جوهري لا يقوم التنفيذ بدونه، مما يوجب إلغاء الإجراء لقيامه على أساس مختل.
خامسًا: الدفع بوجوب التفسير المقيد للتعميم ومنع التوسع في تطبيقه على حساب النشاط الاقتصادي
التعميم لم يُنشأ وسائل الضغط، بل قيدها وضبطها فلا يجوز اتخاذه ذريعة للتوسع في الإيقاف أو التضييق، إذ إن تفسيره يجب أن ينصرف إلى الحد من التعسف لا إلى تكريسه، ومتى فُسّر على خلاف ذلك وأُعمل بما يؤدي إلى تعطيل الشركات دون تحقق شروطه، فإن ذلك يُعد خروجًا عن غايته، مما يوجب الالتزام بتفسيره تفسيرًا مقيدًا يحصر تطبيقه في أضيق نطاق يحقق غرضه دون تجاوز.
الخاتمة:
يؤكد التعميم محل البحث أن إجراءات التنفيذ على الشركات يجب أن تقوم على أساس مالي واضح، وأن وسائل الضغط التنفيذي تُعد استثناءً لا يُلجأ إليه إلا عند تحقق التعثر، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق الدائنين وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.
الكلمات المفتاحية
التنفيذ على الشركات
التعثر المالي
إيقاف الخدمات
منع السفر
التنفيذ القضائي
القوائم المالية
الذمة المالية