قراءة في قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا رقم (32/م) وتاريخ 14/8/1438هـ
تمهيد:
تعد مسألة الإثبات في القضايا الجزائية من أهم المسائل التي يقوم عليها الحكم القضائي إذ إن تقرير العقوبة الجزائية يقتضي قيام الدليل على ثبوت ارتكاب الجريمة المنسوبة إلى المتهم وقد يثار في التطبيق القضائي تساؤل يتعلق بالحالات التي لا يكتمل فيها الدليل إلى حد اليقين الكامل فهل يجوز مع ذلك الحكم بالعقوبة التعزيرية أم أن ذلك يتطلب النص الصريح على ثبوت الإدانة وقد جاء قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا لمعالجة هذا الإشكال وتحديد الضابط القضائي في تقرير العقوبة الجزائية التعزيرية في مثل هذه الحالات.
مضمون التعميم:
تناولت الهيئة العامة للمحكمة العليا مسألة الحكم بالعقوبة الجزائية عند ارتكاب أمر محظور وقررت أنه يجب النص على إثبات إدانة المتهم بالجريمة التي تقتضي تلك العقوبة فإذا لم تكتمل لدى القاضي البينة التامة على ارتكاب الجريمة، إلا أنه توفرت قرائن وأمارات معتبرة أورثت لديه القناعة بوقوع الفعل فإنه يجوز الحكم بعقوبة تعزيرية مرسلة مع النص على إدانة المتهم بما يوجب التعزير دون الحكم بالعقوبة المقررة للجريمة التي لم يثبت موجبها ثبوتًا كاملًا.
الإشكال:
ظهر الإشكال في بعض القضايا الجزائية التي تتوافر فيها قرائن قوية على ارتكاب الجريمة دون أن تصل هذه الأدلة إلى حد البينة الكاملة التي يثبت بها موجب العقوبة المحددة نظامًا مما أدى إلى اختلاف التوجهات القضائية بين الحكم بالبراءة لعدم اكتمال الدليل وبين الحكم بالعقوبة الجزائية رغم عدم اكتمال البينة.
القاعدة:
قررت الهيئة العامة للمحكمة العليا أنه عند الحكم بالعقوبة الجزائية على ارتكاب أمر محظور يجب النص على إثبات إدانة المتهم بالجريمة التي تقتضي هذه العقوبة، أما إذا لم تكتمل البينة التامة وثبتت لدى القاضي قرائن وأمارات معتبرة تولد لديه القناعة بوقوع الفعل فإنه يجوز الحكم بعقوبة تعزيرية مرسلة مع النص على إدانة المتهم بما يوجب التعزير.
الأثر:
أسهم هذا القرار في توحيد التوجه القضائي في التعامل مع القضايا التي لا تكتمل فيها البينة التامة على ارتكاب الجريمة كما أوضح الحدود الفاصلة بين الحكم بالعقوبة المحددة نظامًا وبين الحكم بالعقوبة التعزيرية المبنية على القرائن والأمارات الأمر الذي يعزز استقرار الأحكام القضائية ويحقق التوازن بين حماية المجتمع وضمان سلامة الإثبات في القضايا الجزائية.
الدفوع:
أولًا: الدفع بعدم كفاية القرائن لإثبات الإدانة الموجبة للعقوبة المحددة
إن الحكم بالعقوبة الجزائية المحددة نظامًا يفترض ثبوت ارتكاب الجريمة بدليل يقيني فإذا كانت الأدلة في الدعوى لا تتجاوز مجرد قرائن أو أمارات ظنية فإن مقتضى قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا أن هذه القرائن لا تكفي للحكم بالعقوبة المقررة للجريمة.
ثانيًا: الدفع بعدم كفاية الأدلة لإثبات الإدانة أصلًا
إن الأصل في الأحكام الجزائية أن تبنى على الجزم واليقين لا على الظن والاحتمال، فإذا كانت الأدلة المقدمة في الدعوى لا ترقى إلى مستوى البينة المعتبرة شرعًا ونظامًا فإنها لا تصلح لإثبات الإدانة أصلًا سواء في العقوبة المحددة أو في العقوبة التعزيرية، إذ إن القرائن التي لا تبلغ حد الاطمئنان القضائي لا يجوز أن تكون أساسًا لإدانة المتهم أو لإيقاع أي عقوبة عليه، مما يقتضي الحكم ببراءته عملًا بالأصل المقرر وهو أن الشك يفسر لمصلحة المتهم.
ثالثًا: الدفع بعدم جواز توقيع العقوبة المحددة مع عدم اكتمال البينة
إذا لم تكتمل الأدلة المعتبرة شرعًا ونظامًا على ارتكاب الجريمة فإن الحكم بالعقوبة المحددة يكون مخالفًا لما قررته الهيئة العامة للمحكمة العليا التي اشترطت النص على إثبات الإدانة الموجبة لتلك العقوبة.
رابعًا: الدفع بوجوب تسبيب الحكم وبيان أساس القناعة القضائية
عند الحكم بعقوبة تعزيرية بناء على القرائن والأمارات فإنه يتعين على المحكمة بيان تلك القرائن ووجه الاستدلال بها حتى يتضح الأساس الذي بنيت عليه القناعة القضائية في تقرير العقوبة التعزيرية.
الخاتمة:
يتبين من قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا رقم (32/م) أن الحكم بالعقوبة الجزائية يتطلب النص على ثبوت الإدانة بالجريمة الموجبة لها أما في حال عدم اكتمال البينة مع قيام قرائن وأمارات معتبرة فإنه يجوز للقاضي الحكم بعقوبة تعزيرية مرسلة مع بيان أساس الإدانة بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وضمان سلامة الإثبات الجزائي.
الكلمات المفتاحية:
الإدانة الجزائية
العقوبة التعزيرية
المحكمة العليا
القرائن والأمارات
الإثبات الجزائي
القضاء الجزائي السعودي
المبادئ القضائية