قراءة في تعميم وزارة العدل رقم (13/ت/646) وتاريخ 22/3/1436هـ المبني على قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا رقم (16/م) وتاريخ 30/2/1436هـ
تمهيد:
يعد الإقرار من أبرز وسائل الإثبات في الدعوى الجزائية، إذ يقوم مقام الدليل القاطع متى صدر من المتهم بإرادة معتبرة أمام جهة القضاء غير أن التطبيق العملي أثار تساؤلاً حول مدى قبول رجوع المتهم عن إقراره في الجرائم التعزيرية، خصوصًا إذا كان الإقرار قد صدر أمام المحكمة أثناء نظر الدعوى، ولأجل معالجة هذا الإشكال صدر تعميم وزارة العدل المبني على قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا لتقرير الضابط القضائي في مسألة الرجوع عن الإقرار الموجب للعقوبة التعزيرية.
مضمون التعميم:
جاء التعميم بناءً على ما قررته الهيئة العامة للمحكمة العليا في قرارها رقم (16/م) وتاريخ 30/2/1436هـ، حيث قررت أن الإقرار الموجب لعقوبة تعزيرية للحق العام إذا صدر من المتهم أمام القاضي أثناء نظر الدعوى فإنه لا يقبل الرجوع عنه ما لم يظهر ما يؤيد صحة هذا الرجوع، أما إذا ظهر للقاضي ما يدل على صحة الرجوع أو ما يثير الشك في صحة الإقرار، فإن الأمر يعود لتقدير المحكمة في ضوء ما يتوافر من أدلة وقرائن في القضية ويهدف هذا التوجيه إلى ضبط التعامل القضائي مع الإقرارات في القضايا التعزيرية ومنع التوسع في قبول الرجوع عنها دون مسوغ معتبر.
الإشكال:
برز الإشكال في بعض القضايا الجزائية عندما يقوم المتهم بالإقرار أمام المحكمة بارتكاب الفعل، ثم يعود لاحقًا لينكر ما صدر عنه من إقرار وقد أدى اختلاف التوجهات في تقدير قبول هذا الرجوع من عدمه إلى تباين في الأحكام القضائية، الأمر الذي استدعى تدخل المحكمة العليا لوضع قاعدة تضبط التعامل مع هذه الحالات.
القاعدة:
قررت المحكمة العليا قاعدة مفادها أن الإقرار الصادر من المتهم أمام القاضي والموجب لعقوبة تعزيرية لا يقبل الرجوع عنه، إلا إذا ظهر للقاضي ما يؤيد صحة هذا الرجوع أو ما يثير الشك في صحة الإقرار وفي هذه الحالة يكون للقاضي سلطة تقدير الأدلة والقرائن للوصول إلى الحكم المناسب.
الأثر:
أسهم هذا التعميم في توحيد التطبيق القضائي في التعامل مع الإقرار في القضايا التعزيرية، كما عزز استقرار الأحكام ومنع التلاعب بالإقرارات بعد صدورها أمام المحكمة وفي الوقت ذاته أبقى التعميم للقاضي سلطة تقديرية في حال ظهور ما يثير الشك في صحة الإقرار.
الدفوع:
أولاً: الدفع بانتفاء سلامة الإقرار لصدوره تحت تأثير الإكراه أو الضغط
إن الإقرار الذي يبنى عليه الحكم يجب أن يكون صادرًا عن إرادة حرة واعية خالية من أي مؤثر خارجي، فإذا قام دليل أو قرينة على أن الإقرار قد صدر تحت ضغط نفسي أو مادي أو في ظروف غير طبيعية، فإن ذلك يقدح في حجية الإقرار ويجعله محل نظر أمام المحكمة ويجيز للدائرة النظر في الرجوع عنه.
ثانياً: الدفع بوجود ما يثير الشك في صحة الإقرار
إذا ظهر من وقائع الدعوى أو من الأدلة المعروضة ما يتعارض مع مضمون الإقرار أو يثير الشك حول صحته، فإن ذلك يفتح المجال أمام المحكمة للنظر في الرجوع عنه، إذ إن الإقرار لا ينهض دليلاً قاطعًا إذا أحاطت به قرائن تضعف دلالته.
ثالثاً: الدفع بعدم توافق الإقرار مع الوقائع الثابتة في الدعوى
يتبين من خلال التحقيقات أو التقارير الفنية أو شهادة الشهود أن مضمون الإقرار لا يتوافق مع الوقائع الثابتة في ملف القضية، وفي مثل هذه الحالة يصبح من المشروع التمسك بعدم الأخذ بالإقرار أو قبول الرجوع عنه.
رابعاً: الدفع بوجوب التحقق من مطابقة الإقرار للوقائع
إن وظيفة المحكمة لا تقتصر على مجرد تلقي الإقرار، بل تمتد إلى التحقق من مدى مطابقته للحقيقة والوقائع الثابتة في الدعوى، فإذا تبين أن الإقرار لا ينسجم مع الأدلة الأخرى فإن ذلك يبرر قبول الرجوع عنه.
الخاتمة:
يتضح أن تعميم وزارة العدل المبني على قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا قد وضع ضابطًا واضحًا للتعامل مع مسألة الرجوع عن الإقرار في القضايا التعزيرية، حيث قرر الأصل بعدم قبول الرجوع عن الإقرار الصادر أمام المحكمة، مع إتاحة المجال لقبوله إذا ظهرت قرائن أو أدلة تدل على صحته.
الكلمات المفتاحية
الإقرار في الدعوى الجزائية
الرجوع عن الإقرار
العقوبة التعزيرية
المحكمة العليا
التعاميم القضائية
القضاء الجزائي السعودي
أدلة الإثبات
الاعتراف القضائي
