سلسلة المبادئ القضائية – قراءة في تعميم وزارة العدل رقم (13/ت/5810) وتاريخ 22/9/1436هـ المبني على قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا رقم (22/م) وتاريخ 22/7/1436هـ
تمهيد:
تظهر في التطبيق القضائي بعض القضايا الجزائية التي تشتمل على أفعال متعددة تندرج تحت أكثر من وصف جرمي تعزيري، الأمر الذي يثير مسألة ما إذا كانت هذه الأفعال تستوجب تعدد العقوبات التعزيرية أو الاكتفاء بعقوبة واحدة عنها جميعًا وقد أدى اختلاف محاكم الاستئناف في تأييد الأحكام الصادرة بالتداخل من عدمه إلى الحاجة لتقرير مبدأ قضائي يحدد الإجراء المتبع في هذه الحالات، وفي هذا السياق صدر تعميم وزارة العدل المبني على قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا لمعالجة مسألة تداخل التعزيرات وتوحيد الإجراء القضائي بشأنها.
مضمون التعميم:
تضمن التعميم إحالة إلى ما قررته الهيئة العامة للمحكمة العليا في قرارها رقم (22/م) وتاريخ 22/7/1436هـ، حيث نظرت في مسألة اشتمال بعض القضايا الجزائية على أوصاف جرمية متعددة يقتضي كل منها التعزير وبعد الدراسة قررت أن التعزيرات التي لا يحدد النظام عقوبتها وكانت من قبيل الحق العام يكفي فيها الاكتفاء بعقوبة واحدة يراعى عند تقديرها حال المتهم وما ارتكبه من جرائم وما عليه من سوابق، وذلك دون الإخلال بما نصت عليه الأنظمة الخاصة. وقد جاء هذا القرار لتوحيد الاتجاه القضائي في التعامل مع هذه الحالات ومنع تضارب الأحكام بين المحاكم.
الإشكال:
برز الإشكال عندما تتضمن الواقعة الواحدة عدة أفعال يندرج كل منها تحت وصف جرمي مستقل، مثل أن يقترن الفعل الواحد بعدة مخالفات تعزيرية ففي هذه الحالات اختلفت المحاكم في تطبيق العقوبات؛ فبعضها يرى تعدد العقوبات بتعدد الأوصاف، بينما يرى البعض الآخر الاكتفاء بعقوبة واحدة باعتبار أن الأفعال تشكل واقعة واحدة.
القاعدة:
قررت الهيئة العامة للمحكمة العليا أن التعزيرات التي لم يرد في الأنظمة تحديد لعقوبتها وكانت من قبيل الحق العام، فإنها تتداخل ويكتفى فيها بعقوبة واحدة يقدرها القاضي بما يحقق الردع والزجر، مع مراعاة جسامة الأفعال المرتكبة وظروف المتهم وسوابقه.
الأثر:
أسهم هذا القرار في توحيد الإجراء القضائي في قضايا التعزير التي تتعدد فيها الأوصاف الجرمية، كما حد من التباين بين الأحكام القضائية في مثل هذه القضايا، كما منح القاضي مجالًا أوسع لتقدير العقوبة المناسبة التي تراعي مجموع الأفعال المرتكبة دون الحاجة إلى فرض عقوبات متعددة قد تخرج عن مبدأ التناسب.
الدفوع:
أولاً: الدفع بانطباق قاعدة تداخل التعزيرات
إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى المتهم تدخل ضمن الجرائم التعزيرية التي لم يحدد النظام عقوبتها وكانت جميعها من قبيل الحق العام، فإن مقتضى ما قررته الهيئة العامة للمحكمة العليا هو الاكتفاء بعقوبة واحدة عنها جميعًا، دون تعدد العقوبات بتعدد الأوصاف الجرمية.
ثانياً: الدفع بأن الواقعة تشكل نشاطًا إجراميًا واحدًا
إذا كانت الأفعال المسندة إلى المتهم قد وقعت في سياق واقعة واحدة أو نشاط إجرامي واحد، فإن تجزئتها إلى جرائم متعددة ومعاقبته عن كل وصف على حدة يتعارض مع القاعدة التي قررتها المحكمة العليا في شأن تداخل التعزيرات.
ثالثاً: الدفع بوجوب مراعاة التناسب بين الفعل والعقوبة
إن فرض عقوبات متعددة عن واقعة واحدة قد يؤدي إلى مغالاة في العقوبة تتجاوز جسامة الفعل المرتكب، في حين أن الاكتفاء بعقوبة واحدة يحقق الغاية من التعزير المتمثلة في الردع والزجر دون إخلال بمبدأ العدالة.
رابعاً: الدفع بسلطة المحكمة في تقدير العقوبة التعزيرية
أن العقوبات التعزيرية في هذه الحالة غير مقدرة بنص نظامي محدد فإن للقاضي سلطة تقدير العقوبة المناسبة في ضوء مجموع الأفعال المرتكبة وظروف المتهم وهو ما ينسجم مع ما قررته المحكمة العليا من الاكتفاء بعقوبة واحدة عند تداخل التعزيرات.
الخاتمة:
يتضح من قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا أن الأصل في التعزيرات التي لم يحدد النظام عقوبتها أنها تتداخل متى كانت من قبيل الحق العام، ويكتفى فيها بعقوبة واحدة يقدرها القاضي بما يحقق الردع ويمنع التباين في الأحكام القضائية.
الكلمات المفتاحية
تداخل التعزيرات
المحكمة العليا
المبادئ القضائية
العقوبة التعزيرية
الحق العام
القضاء الجزائي السعودي
توحيد الإجراء القضائي