التجاوز إلى المحتوى
منصة عربية متخصصة في الصياغة القانونية
الصياغة القانونية التعاميم والقرارات القضائية المذكرات العملية
دروس في اللغة العربية

الدرس الثاني: متى تستخدم عبارة “لما كان” في المذكرات القانونية؟

أغسطس 11, 2026 5 دقائق قراءة

مقدمة:

تُعد عبارة “لما كان” من العبارات المتكررة في المذكرات والأحكام القضائية، إلا أن كثيرًا من الأشخاص يستخدمونها في غير موضعها الصحيح، “لما كان” لا تُستخدم لعرض الوقائع، وإنما تُستخدم لاستخلاص النتيجة القانونية بعد اكتمال المقدمات.

أولًا: ما المقصود بعبارة “لما كان”؟

“لما كان” أداة استنتاج، تُستخدم لبناء نتيجة نظامية أو شرعية على وقائع أو قواعد سبق بيانها.

ويمكن أن تؤدي في المعنى وظيفة: “وبناءً على ما تقدم”، أو “ولما سبق بيانه”، أو “وبناءً عليه”.

ولهذا لا تُستخدم عند بدء عرض الوقائع، وإنما بعد اكتمال المقدمات التي تؤدي إلى نتيجة قانونية.

ثانيًا: متى تستخدم “لما كان”؟

1- عند استنتاج نتيجة من وقائع سبق عرضها.

مثال:

  • ثبت من أوراق الدعوى أن المتهم كان خارج مدينة وقوع الجريمة وقت ارتكابها.
  • ولما كان الثابت استحالة وجود المتهم في مسرح الجريمة، فإن نسبة الواقعة إليه تكون غير قائمة على دليل صحيح.

جاءت “لما كان” بعد ثبوت الوقائع للانتقال إلى النتيجة القانونية.

2- عند البناء على قاعدة نظامية أو شرعية.

مثال:

  • الأصل أن الشك يفسر لمصلحة المتهم.
  • ولما كان الدليل قد أحاطته الشكوك ولم يبلغ حد اليقين، فإنه لا يصلح أساسًا للإدانة.

هنا بُنيت النتيجة على قاعدة قانونية سبق بيانها.

3- عند استخلاص نتيجة من عدة مقدمات.

مثال:

  • خلت الأوراق من أي دليل مادي.
  • وتراجع الشاهد عن أقواله.

  • وتعارضت إفادات الشهود.
  • ولما كانت هذه الوقائع مجتمعة تثير الشك في صحة الاتهام، فإنه يتعين القضاء ببراءة المتهم.

كل ما سبق يمثل مقدمات انتهت إلى نتيجة واحدة، فجاءت “لما كان” لربطها بها.

ثالثًا: متى لا تستخدم “لما كان”؟

1- لا تستخدمها قبل عرض الوقائع.

خطأ:

  • لما كان المتهم حضر إلى الموقع.
  • لما كان تم القبض عليه.

هذه مجرد وقائع، ولم تسبقها مقدمات تستوجب استعمال “لما كان”.

الصحيح:

  • حضر المتهم إلى الموقع.
  • وتم القبض عليه.

2- لا تستخدمها إذا لم يسبقها ما تُبنى عليه.

خطأ:

  • لما كان المتهم يستحق البراءة.

هذه نتيجة، لكنها لم تُبن على مقدمات.

الصحيح:

  • ولما كانت أوراق الدعوى قد خلت من الادلة والقرائن، فإن القضاء بالبراءة يكون هو المتعين.

3- لا تستخدمها لمجرد التنويع في الصياغة.

إذا لم يسبقها وقائع أو أدلة أو قواعد قانونية أو شرعية تصلح أساسًا للاستنتاج، فلا محل لاستعمالها.

رابعًا: قاعدة عملية

قبل أن تكتب “لما كان”، اسأل نفسك:

هل عرضت قبلها وقائع أو أدلة أو قواعد تكفي للوصول إلى نتيجة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فاستخدمها.

أما إذا كنت لا تزال تعرض الوقائع، فلا تستخدمها.

وهناك قاعدة عملية أخرى:

إذا أمكن أن تسبق “لما كان” بعبارة مثل: “ثبت”، أو “الثابت من الأوراق”، أو “المقرر نظامًا”، أو “الأصل شرعًا”، فغالبًا أن استعمالها صحيح.

ولا تجعل “لما كان” وسيلة لعرض الوقائع، بل وسيلة لاستخلاص النتيجة منها.

خامسًا: مقارنة سريعة

الصياغة الضعيفة:

  • لما كان المتهم أنكر التهمة.
  • لما كان الشاهد عدل عن أقواله.

الصياغة الأفضل:

  • أنكر المتهم ما نسب إليه.
  • وعدل الشاهد عن أقواله أمام الدائرة.
  • ولما كان الدليل قد فقد قوته بعد عدول الشاهد، فإن الاتهام يبقى مجرد دعوى واهية.

الخلاصة:

ليست “لما كان” أداة لعرض الوقائع، وإنما أداة استنتاج تُستخدم بعد اكتمال المقدمات للوصول إلى النتيجة القانونية. فإذا سبقتها وقائع أو أدلة أو قواعد تصلح أساسًا للاستنتاج، كان استعمالها في موضعه الصحيح، أما إذا استُعملت قبل عرض تلك المقدمات، فقدت العبارة وظيفتها وأصبحت الصياغة غير منضبطة.

ملاحظة لغوية:

الأكثر شيوعًا في المذكرات استعمال “ولما كان”؛ لأنها تربط النتيجة بما سبق، ويجوز استعمال “لما كان” في افتتاح فقرة جديدة متى كان الارتباط بين الفقرتان قائمًا.

سادسًا: تطبيق عملي من المذكرات الجوابية:

“لم يراعِ الحكم الضرر الحاصل على موكلتي نتيجة إخلال المدعية بالتزاماتها في العقد وعدم تمكين موكلتي من الانتفاع من العين المستأجرة وما نتج عنه من ضرر تعطلت معه المنفعة، ولما كانت الأجرة مقابل المنفعة فقد كان حريًا بناظر القضية مراعاة ذلك واعتباره لا إغفاله، وتم إثبات هذه الأضرار المتمثلة في التالي:

  1. نزع المدعية لوحدات التكييف الخارجية، والثابت ذلك بشهادة الشهود التي تفيد بوجود أعطال في التكييف عند زياراتهم المتكررة للمحل، وعدم وجود عملاء نتيجة ذلك.
  2. مصادرة عداد الغاز والذي يتوقف بسببه قسم المطبخ في محل موكلتي.
  3. فصل الكهرباء، والذي نتج عنه تعطل المنفعة بالكامل لاعتمادها كليًا على الأجهزة الكهربائية والثلاجات للتبريد وتخزين المواد الغذائية وحفظها لتقديم المشروبات.
  4. قطع المياه وعدم التزام المدعية بسداد الفواتير متعمدة بذلك مضايقة المستأجرين للخروج من العقار.

قال ابن تيمية “فأي وقت نقصت فيه هذه المنفعة بنقص ماء وانقطاعه، أو بزيادته، وتغريقه، أو حدوث جراد، أو برد، أو حر، أو ثلج، ونحو ذلك مما يكون خارجًا عن العادة ومانعًا من المنفعة المعتادة فإن ذلك يمنع المنفعة المستحقة المعقود عليها فيجب أن يملك الفسخ أو يسقط من الأجرة بقدر ما فات من المنفعة كانقطاع الماء وليس بين انقطاع الماء وزيادته وسائر الموانع فرق يصلح لافتراق الحكم إذا تبين ذلك فقد تقدم نص أحمد والخرقي وغيرهما على أنه عليه من الأجرة بقدر ما حصل له من المنفعة”.

قاعدة الصائغ القانوني:

لا تستخدم “لما كان” إلا إذا كانت النتيجة التي ستذكرها مبنية على مقدمات سبق عرضها، فهي أداة استنتاج وليست أداة لسرد الوقائع.