التجاوز إلى المحتوى
منصة عربية متخصصة في الصياغة القانونية
الصياغة القانونية التعاميم والقرارات القضائية المذكرات العملية
دروس في اللغة العربية

الدرس الثالث: متى تستخدم عبارة “ولا يقدح في ذلك”؟

أغسطس 11, 2026 4 دقائق قراءة

مقدمة:

من الأخطاء الشائعة في كتابة المذكرات القانونية أن يكتفي المحامي بإثبات حق موكله، دون أن يرد على الدفوع التي قد يتمسك بها الخصم. ولهذا جاءت عبارة “ولا يقدح في ذلك” لتؤدي وظيفة مهمة، وهي تحصين الحجة القانونية من الدفوع التي لا تؤثر في النتيجة، فتغلق باب الاعتراض قبل أن يتمسك به الخصم.

أولًا: ما المقصود بعبارة “ولا يقدح في ذلك”؟

“ولا يقدح في ذلك” أداة رد، تُستخدم لدحض دفع أو واقعة أو حجة يتمسك بها الخصم، مع بيان أنها لا تؤثر في النتيجة القانونية التي سبق تأسيسها.

ويمكن أن تؤدي في المعنى وظيفة: “ولا ينال من ذلك”، أو “ولا يغير من ذلك”، أو “ولا يؤثر في ذلك”.

ولهذا لا تُستخدم قبل تأسيس الحجة، وإنما بعد إثبات الحق أو الواقعة التي بُنيت عليها النتيجة.

ثانيًا: متى تستخدم “ولا يقدح في ذلك”؟

1- عند الرد على دفع يتمسك به الخصم.

مثال:

  • ثبت امتناع الأب عن سداد نفقة الأبناء رغم يساره ماليا.
  • ولا يقدح في ذلك ادعاؤه تحمله بعض المصروفات بصورة متفرقة؛ إذ إن ذلك لا يغني عن التزامه بالنفقة الواجبة عليه نظاما.

جاءت العبارة لبيان أن الدفع لا يؤثر في استحقاق النفقة.

2- عند الرد على واقعة صحيحة لكنها غير مؤثرة.

مثال:

  • ثبت استحقاق الحاضنة لأجرة الحضانة.
  • ولا يقدح في ذلك إقامة الأبناء لدى والدهم أيام الإجازات؛ لأن ذلك لا يسقط حق الحاضنة فيما تستحقه نظامًا.

فالواقعة صحيحة، لكنها لا تغير النتيجة القانونية.

3- عند استبعاد حجة الخصم مع بقاء النتيجة.

مثال:

  • ثبتت حاجة الأبناء إلى سائق خاص بسبب بُعد المدارس وتعدد أماكن مراجعاتهم.
  • ولا يقدح في ذلك استعداد الأب لنقلهم بنفسه؛ إذ إن الالتزام لا يقتصر على مباشرة النقل، وإنما يشمل تحمل نفقة المواصلات اللازمة متى ثبتت الحاجة إليها.

كل ما سبق يمثل دفعًا تمسك به الخصم، إلا أنه لا يؤثر في النتيجة القانونية.

ثالثًا: متى لا تستخدم “ولا يقدح في ذلك”؟

1- لا تستخدمها قبل إثبات الحق.

خطأ:

  • ولا يقدح في ذلك ما يدعيه الأب.

الصحيح:

  • ثبت استحقاق الأبناء لنفقة التعليم.
  • ولا يقدح في ذلك ادعاء الأب أن المدارس الحكومية متاحة؛ لثبوت انتظام الأبناء في مدارس أهلية منذ سنوات بموافقته.

2- لا تستخدمها إذا لم يوجد دفع يستوجب الرد.

إذا لم يتمسك الخصم بدفع، أو لم يكن هناك دفع متوقع، فلا محل لاستعمال هذه العبارة.

3- لا تستخدمها لمجرد الانتقال بين الفقرات.

فهي ليست أداة ربط، وإنما وسيلة لدحض دفع لا يؤثر في النتيجة.

رابعًا: قاعدة عملية

قبل أن تكتب “ولا يقدح في ذلك”، اسأل نفسك:

هل توجد حجة قد يتمسك بها الخصم يمكن أن توهم القاضي بخلاف النتيجة التي انتهيت إليها؟

إذا كانت الإجابة نعم، فاستخدمها.

أما إذا لم يوجد دفع يحتاج إلى الرد، فلا تستخدمها.

وهناك قاعدة عملية أخرى:

غالبًا ما تأتي عبارة “ولا يقدح في ذلك” بعد إثبات الحق، ثم يعقبها بيان سبب عدم تأثير دفع الخصم باستعمال “إذ إن” أو “لأن”.

خامسًا: مقارنة سريعة

الصياغة الضعيفة:

  • ولا يقدح في ذلك ما ذكره المدعى عليه.

الصياغة الأفضل:

  • ثبت استحقاق الأبناء لنفقة المواصلات.
  • ولا يقدح في ذلك ادعاء الأب استعداده لنقلهم بنفسه؛ إذ إن التزامه لا يقتصر على مباشرة النقل، وإنما يمتد إلى تحمل النفقة اللازمة لتحقيق مصلحة الأبناء.

الخلاصة:

ليست عبارة “ولا يقدح في ذلك” وسيلة لإثبات الحق، وإنما وسيلة لتحصين الحجة القانونية من الدفوع غير المؤثرة. فإذا سبقها إثبات الحق، ثم أعقبها الرد على دفع الخصم، كان استعمالها في موضعه الصحيح.

ملاحظة لغوية:

يكثر استعمال “ولا يقدح في ذلك” و”ولا ينال من ذلك” في المذكرات القانونية، وكلاهما صحيح، إلا أن الأولى أدق عند الرد على دفع يراد بيان عدم تأثيره.

سادسًا: تطبيق عملي من لائحة استئناف:

أوضح لفضيلتكم أن الحكم أغفل تقدير نفقة المواصلات اللازمة للأبناء، رغم ثبوت حاجتهم إليها في محضر الجلسة، وما تقتضيه أوضاعهم من تنقلات متعددة بين المدارس وحلقات تحفيظ القرآن والنادي والمستشفى، لا سيما وأنهن أربع بنات منهن طالبتان في مدارس خاصة، وأخرى في الجامعة، وأخرى في مدرسة حكومية وقد أبدت موكلتي استعدادها للمساعدة في توفير وسيلة النقل، بما في ذلك استقدام سائق على حسابها الخاص، إلا أن المدعى عليه رفض ذلك دون مبرر. ولا يقدح في ذلك ما يدعيه المدعى عليه من استعداده لنقل الأبناء أو إمكان قيام موكلتي بذلك؛ إذ إن تعدد احتياجاتهم ومواعيدهم الدراسية والصحية وغيرها يجعل توفير المواصلات أمر لاازم، ولا يبرر تحميل موكلتي تكاليفها.

في هذا المثال استُخدمت عبارة “ولا يقدح في ذلك” بعد إثبات استحقاق الأبناء لنفقة المواصلات، ثم جاءت للرد على دفع المدعى عليه وبيان أنه لا يؤثر في النتيجة التي انتهت إليها المذكرة، وهو الاستعمال الصحيح لهذه العبارة.

قاعدة الصائغ القانوني:

لا تستخدم عبارة “ولا يقدح في ذلك” إلا إذا كنت بصدد الرد على دفع أو حجة لا تؤثر في النتيجة القانونية التي سبق تأسيسها.