التجاوز إلى المحتوى
منصة عربية متخصصة في الصياغة القانونية
الصياغة القانونية التعاميم والقرارات القضائية المذكرات العملية
دروس في اللغة العربية

الدرس الأول: متى تستخدم عبارة “حيث إن” في المذكرات القانونية؟

أغسطس 11, 2026 4 دقائق قراءة

مقدمة:

تُعد عبارة “حيث إن” من أكثر العبارات تداولًا في الصياغة القانونية، إلا أنها أيضًا من أكثرها استخدامًا على غير وجهها الصحيح. فكثير من الأشخاص يبدأ كل فقرة بـ “حيث إن”، حتى وإن لم يكن هناك سبب يقتضي ذلك، مما يضعف ترابط المذكرة ويجعل الصياغة أقرب إلى التكرار، لذلك فإن فهم وظيفة هذه العبارة يعد من أساسيات الصياغة القانونية السليمة.

أولًا: ما المقصود بعبارة “حيث إن”؟

“حيث إن” أداة تعليل تُستخدم لبيان السبب الذي تُبنى عليه نتيجة أو طلب أو دفع.

ويمكن أن تؤدي في المعنى وظيفة: “لأن”، أو “بما أن”، أو “نظرًا إلى أن”.

ولهذا لا تُستخدم لمجرد افتتاح الفقرات، وإنما تُستخدم عندما تريد بيان سبب أو واقعة ذات أثر قانوني أو قاعدة نظامية وشرعية تُبنى عليها نتيجة أو طلب أو دفع.

ثانيًا: متى تستخدم “حيث إن”؟

1- عند بيان سبب الطلب

مثال:

– وحيث إن المدعى عليها أخلت بالتزامها التعاقدي، فإن ذلك يوجب إلزامها بالتعويض.

– جاءت “حيث إن” لبيان السبب الذي بُني عليه طلب التعويض.

2- عند بيان الأثر القانوني المترتب على واقعة ثابتة

مثال:

– ثبت من العقد أن مدة الإيجار قد انتهت.

– وحيث إن انتهاء مدة العقد يُسقط حق المدعى عليها في الاستمرار بالانتفاع بالعين، فإن إشغالها لها يعد بغير سند مشروع.

هنا ربطت “حيث إن” بين الواقعة الثابتة وأثرها القانوني.

3- عند عرض أسباب الطلب أو الدفوع

مثال:

– وحيث إن الدفع الأول قائم على انتفاء الصفة.

– وحيث إن الدفع الثاني يقوم على سقوط المطالبة.

كل فقرة تتناول سببًا مستقلًا يُبنى عليه دفع أو طلب.

ثالثًا: متى لا تستخدم “حيث إن”؟

  • لا تستخدمها لمجرد افتتاح كل فقرة

خطأ:

– حيث إن العقد أُبرم بتاريخ (…).

– حيث إن المدعى عليه حضر.

– حيث إن المدعي أرسل خطابًا.

– هذه مجرد وقائع، ولا تتضمن تعليلًا.

الصحيح:

– أبرم الطرفان العقد بتاريخ (…).

– حضر المدعى عليه.

– أرسل المدعي خطابًا إلى المدعى عليها.

2- لا تستخدمها قبل كل جملة متتالية

خطأ:

– حيث إن المدعي طالب بالتعويض.

– وحيث إن المدعى عليها أنكرت.

– وحيث إن المحكمة نظرت الدعوى.

ليس كل حدث يحتاج إلى “حيث إن”، وإنما تُستخدم عندما تكون الجملة سببًا لما بعدها.

  • لا تستخدمها إذا لم يترتب على الجملة نتيجة

إذا كانت الجملة لا تبين سبب ولا تؤسس حكم أو طلب أو دفع، فلا حاجة لاستعمالها.

رابعًا: قاعدة عملية

قبل أن تكتب “حيث إن”، اسأل نفسك:

هل سأذكر سبب سأبني عليه نتيجة؟

إذا كانت الإجابة نعم، فاستخدمها.

أما إذا كنت تنقل واقعة أو تسرد أحداثًا فقط، فلا تستخدمها.

وهناك قاعدة عملية أخرى:

إذا أمكن استبدال “حيث إن” بكلمة “لأن” دون أن يختل المعنى، فغالبًا أن استعمالها صحيح، أما إذا بدا الاستبدال غير منطقي، فالأصل ألا تُستخدم.

ولا تجعل “حيث إن” عادة في الصياغة، بل اجعلها وسيلة للتعليل كلما اقتضى المقام ذلك.

خامسًا: مقارنة سريعة

الصياغة الضعيفة:

– حيث إن الطرفين أبرما العقد بتاريخ (…).

– حيث إن المدعي أوفى بالتزاماته.

– حيث إن المدعى عليها امتنعت عن السداد.

الصياغة الأفضل:

– أبرم الطرفان العقد بتاريخ (…).

– ونفذ المدعي جميع التزاماته العقدية.

– وحيث إن المدعى عليها امتنعت عن الوفاء بالمقابل المستحق، فإنها تكون قد أخلت بالتزامها العقدي، الأمر الذي يثبت مسؤوليتها ويبرر إلزامها بالمبلغ المطالب به.

الخلاصة:

ليست “حيث إن” عبارة افتتاحية، وإنما هي أداة تعليل تُستخدم لبيان السبب الذي تُبنى عليه نتيجة أو طلب أو دفع، فإذا كانت الجملة تتضمن سبب له أثر قانوني، كان استخدامها في موضعه الصحيح، أما إذا كانت مجرد سرد للوقائع أو وصف للأحداث، فإن استعمالها يكون حشوًا يضعف الصياغة ويخل بتسلسل المذكرة.

ملاحظة لغوية:

في الكتابة يُستحسن استعمال “حيث إن” بهمزة القطع، لا “حيث أن”؛ لأن “إن” بعد “حيث” هي الصيغة الأفصح.

سادسًا: تطبيق عملي من المذكرات الجوابية:

بعد أن تعرفنا على المواضع الصحيحة لاستعمال عبارة “حيث إن”، فهذا مثال من مذكرة عملية يوضح استخدامها في موضعها الصحيح:

وحيث إن الاستقالة جاءت نتيجة تهديد وإكراه وقُبلت فورًا دون إشعار نظامي، ولأن عقد العمل كان ساري وقت إنهاء العلاقة ولم يصدر من موكلي أي سبب مشروع يبرر إنهاء عقده، لذا فإن ما قامت به المدعى عليها يعد إنهاء غير مشروع لعقد العمل في صورة استقالة صورية ترتب عليه ضرر مادي ومعنوي لحق موكلي، فضلًا عن امتناعها عن صرف مستحقاته النظامية، ولذلك كله، أطلب من فضيلتكم.

في هذا المثال لم تُستخدم عبارة “وحيث إن” لمجرد افتتاح الفقرة، وإنما جاءت في خاتمة المذكرة بعد عرض الوقائع والاستناد إلى النصوص النظامية، لتربط بين السبب والنتيجة التي انتهت إليها المذكرة، وهو الاستعمال الصحيح لهذه العبارة في هذا الموضع.

قاعدة الصائغ القانوني:

لا تبدأ الجملة بعبارة “حيث إن” إلا إذا كنت بصدد بيان سبب يترتب عليه أثر قانوني، أما إذا كنت تسرد الوقائع فابدأ بها مباشرة.