قراءة في قرار الهيئة العامة للمحكمة العليا رقم (18/م) وتاريخ 13/3/1436هـ المتعلق بإقامة حد المسكر على متعاطي المخدرات المسكرة كالحشيش والهيروين.
تمهيد:
أثارت مسألة تكييف عقوبة متعاطي بعض أنواع المخدرات المسكرة نقاشًا فقهيًا وقضائيًا حول ما إذا كانت عقوبتها تدخل في نطاق الحد الشرعي للمسكر أو تبقى في نطاق التعزير، وقد جاء خطاب المحكمة العليا الصادر بشأن هذه المسألة ليبين الاتجاه القضائي المستقر في شأن تعاطي المواد المخدرة التي لها أثر الإسكار، مثل الحشيش والهيروين، ومدى انطباق حد المسكر عليها.
مضمون التعميم:
أوضحت المحكمة العليا أن ما ورد في بعض العبارات الفقهية من أن ما يوجب الحد شرعًا لا يدخل في التعزير هو مبدأ عام استقر عليه القضاء. وبناءً عليه قررت الهيئة العامة للمحكمة العليا أن ثبوت استعمال المخدرات المسكرة يوجب إقامة حد المسكر، باعتبار أن العلة في إقامة الحد هي الإسكار ذاته، كما بينت أن القضاء قد استقر منذ زمن على إقامة حد المسكر عند ثبوت تعاطي المواد المخدرة المسكرة مثل الحشيش والأفيون، وأن هذا الاتجاه تؤيده قرارات قضائية سابقة.
الإشكال:
تكمن الإشكالية في التمييز بين المواد المخدرة التي يحدث تعاطيها أثر الإسكار وبين المواد التي لا تحقق هذا الوصف، إذ يترتب على هذا التمييز اختلاف في نوع العقوبة، فبعض المواد يوجب تعاطيها إقامة حد المسكر، بينما تبقى بعض المواد الأخرى في نطاق العقوبات التعزيرية التي يقدرها القاضي بحسب ظروف الدعوى.
القاعدة:
قررت المحكمة العليا قاعدة مفادها أن المخدرات التي يتحقق بتعاطيها وصف الإسكار يطبق عليها حد المسكر، لأن العلة في الحد هي الإسكار ذاته، أما المواد التي لا يتحقق فيها هذا الوصف فإن العقوبة فيها تكون تعزيرية يقدرها القاضي بحسب ملابسات القضية.
الأثر،
أسهم هذا القرار في توحيد التكييف القضائي لعقوبة تعاطي بعض المخدرات المسكرة، كما وضع ضابطًا واضحًا للتمييز بين العقوبات الحدية والعقوبات التعزيرية في هذا النوع من القضايا، وبذلك أصبح معيار الإسكار هو الأساس في تحديد طبيعة العقوبة المقررة.
الدفوع:
أولاً: الدفع بانتفاء وصف الإسكار في المادة محل الاتهام
الثابت أن إقامة حد المسكر إنما تدور مع تحقق وصف الإسكار وجودًا وعدمًا، فإذا لم يثبت أن المادة المضبوطة من المواد التي يترتب على تعاطيها الإسكار شرعًا، فإن القول بإقامة الحد يكون فاقدًا لسنده الشرعي، ويتعين حينئذٍ النظر في الواقعة في نطاق التعزير لا الحد.
ثانياً: الدفع بوجوب التحقق الفني من طبيعة المادة المخدرة
إن تطبيق حد المسكر يقتضي الجزم بأن المادة محل الدعوى من المواد المسكرة بطبيعتها، وهو أمر لا يثبت إلا بتقرير فني معتبر يبين خصائص المادة وتأثيرها، إذ لا يكفي مجرد وصفها بأنها من المواد المخدرة دون التحقق من تحقق وصف الإسكار فيها.
ثالثاً: الدفع بأن الأصل درء الحدود بالشبهات
إذا ثار الشك حول طبيعة المادة أو مدى تحقق وصف الإسكار فيها، فإن مقتضى القواعد الشرعية المستقرة أن الحدود تدرأ بالشبهات، مما يوجب الامتناع عن إقامة الحد متى لم يثبت موجب الحد يقينًا.
رابعاً: الدفع بالتفرقة بين المخدر المسكر والمخدر غير المسكر
إن قرار المحكمة العليا قد ربط إقامة الحد بتحقق وصف الإسكار، وبالتالي فإن عدم التمييز بين أنواع المخدرات المختلفة يؤدي إلى خطأ في التكييف الشرعي للعقوبة، إذ قد تكون بعض المواد موجبة للتعزير دون الحد.
الخاتمة:
يتضح من قرار المحكمة العليا أن معيار الإسكار يمثل الضابط الأساس في تحديد طبيعة العقوبة المقررة لتعاطي بعض المخدرات، الأمر الذي يسهم في توحيد التطبيق القضائي ويحقق التوازن بين الأحكام الشرعية ومتطلبات العدالة الجنائية.
الكلمات المفتاحية
تعاطي المخدرات
حد المسكر
المخدرات المسكرة
المحكمة العليا
العقوبات الحدية
التعزير
القضاء الجزائي
الإسكار في الفقه الإسلامي